المقريزي

35

إمتاع الأسماع

" أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر " ( * ) وعائشة بنت أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو

--> * - هي عائشة أم المؤمنين ، بنت الإمام الصديق الأكبر ، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أبي بكر ، عبد الله بن أبي قحافة ، عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي ، القرشية التيمية ، المكية ، النبوية ، زوجة النبي صلى الله عليه وسلم ، أفقه نساء الأمة على الإطلاق ، وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر ابن عبد شمس ، بن عتاب بن أذينة الكنانية . هاجر بعائشة أبواها ، وتزوجها نبي الله صلى الله عليه وسلم قبل مهاجره ، بعد وفاة الصديقة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ، وذلك قبل الهجرة ببضعة عشر شهرا ، وقيل بعامين ، ودخل بها في شوال سنة اثنين ، منصرفة صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر ، وهي ابنة تسع . روت عنه صلى الله عليه وسلم علما كثيرا طيبا مباركا فيه ، وعن أبيها ، وعن عمر وفاطمة ، وسعد ، وحمزة بن عمر الأسلمي ، وجدامة بنت وهب ، رضي الله تعالى عن الجميع ، وروى عنها خلق كثير . بلغ مسند عائشة ( 2210 ) ألفين ومئتين وعشرة أحاديث ، اتفق لها البخاري ومسلم على مئة وأربع وسبعين حديثا ، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين ، وانفرد مسلم بتسعة وستين . وعائشة رضي الله عنها ممن ولد في الإسلام ، وهي أصغر من فاطمة بثماني سنين ، وكانت تقول : لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان بالدين . وذكرت أنها لحقت بمكة سائس الفيل شيخا أعمى يستعطي . وكانت امرأة بيضاء جميلة ، ومن ثم يقال لها : الحميراء ، ولم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم بكرا غيرها ، ولا أحب امرأة حبها ، ولا أعلم في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، بل ولا في النساء مطلقا امرأة أعلم منها . وذهب بعض العلماء إلى أنها أفضل من أبيها ، وهذا مردود ، وقد جعل الله لكل شئ قدرا ، بل تشهد أنها زوجة نبينا صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة ، فهو فوق ذلك مفخر ، وإن كان للصديقة خديجة شأو لا يلحق . قال الحافظ الذهبي : وأنا واقف في أيتهما أفضل ، نعم جزم بأفضلية خديجة عليها لأمور ليس هذا موضعها . هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أريتك في المنام ثلاث ليال ، جاء بك الملك في سرقة من حرير فيقول : هذه امرأتك ، فأكشف عن وجهك فإذا أنت فيه ، فأقول : إن يك هذا من عند الله يمضه . " والسرقة بفتح السين والراء والقاف : هي القطعة " . أخرجه أحمد ، والبخاري في مناقب الأنصار ، باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها ، وفي النكاح ، باب النظر إلى المرأة قبل التزويج ، وفي التعبير ، باب كشف المرأة في المنام ، وباب ثياب الحرير في المنام ، ومسلم في فضائل الصحابة ، باب فضل عائشة من طرق عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة . وأخرج الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن علقمة المكي ، عن ابن أبي حسين ، عن ابن مليكة ، عن عائشة : أن جبريل جاء بصورتها في خرقة حرير خضراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هذه زوجتك في الدنيا والآخرة . حسنه الترمذي وقال : لا نعرفه إلا من حديث عبد الله ، ورواه عبد الرحمن بن مهدي عنه مرسلا . " أخرجه الترمذي في المناقب : باب فضل عائشة رضي الله عنها ، ورجاله ثقات . وابن أبي حسين : هو عمر بن سعيد بن حسين النوفلي " . بشر بن الوليد القاضي : حدثنا عمر بن عبد الرحمن ، عن سليمان الشيباني عن علي بن زيد بن جدعان ، عن جدته ، عن عائشة أنها قالت : لقد أعطيت تسعا ما أعطيتها امرأة بعد مريم بنت عمران : لقد نزل جبريل بصورتي في راحته حتى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوجني بكرا ، وما تزوج بكرا ، ولقد قبض ورأسه صلى الله عليه وسلم في حجري ، ولقد قبرته في بيتي ، ولقد خفت الملائكة بيتي ، وإن كان الوحي لينزل عليه وإني لمعه في لحافه ، وإني لابنة خليفته وصديقه ، ولقد نزل عذري من السماء ، ولقد خلقت طيبة عند طيب ، ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما . " رواه أبو بكر الآجري عند أحمد بن يحيى الحلواني ، عنه ، وأسناده جيد ، إلا أن علي بن زيد بن جدعان ضعيف " . وكان تزويجه بها إثر وفاة خديجة ، فتزوج بها وبسودة في وقت واحد ، ثم دخل بسودة ، فتفرد بها ثلاثة أعوام حتى بنى بعائشة رضي الله عنها في شوال بعد وقعة بدر ، فما تزوج بكرا سواها ، وأحبها حبا شديدا كان يتظاهر به ، بحيث إن عمرو بن العاص - وهو ممن أسلم سنة ثمان من الهجرة - سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الناس أحب إليك يا رسول الله ؟ قال : عائشة ، قال فمن الرجال ؟ قال أبوها . " أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : لو كنت متخذا خليلا ، وفي المغازي ، باب غزوة السلاسل ، ومسلم في فضائل الصحابة ، باب فضائل أبي بكر رضي الله عنه . وهذا خبر ثابت على رغم أنوف الروافض ، وما كان إلا طيبا ، وقد قال : لو كنت متخذا خليلا من هذه الأمة لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوة الإسلام أفضل . فأحب صلى الله عليه وسلم أفضل رجل من أمته ، وأفضل امرأة من أمته ، فمن أبغض حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حري أن يكون بغيضا إلى الله ورسوله . وحبه عليه السلام لعائشة كان أمرا مستفيضا ، ألا تراهم كيف كانوا يتحرون بهداياهم يومها تقربا إلى مرضاته ؟ قال حماد بن زيد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة ، قالت : فاجتمعن صواحبي إلى أم سلمة ، فقلن لها : إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة ، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة ، فقولي لرسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر الناس أن يهدوا له أينما كان . فذكرت أم سلمة له ذلك ، فسكت ، فلم يرد عليها فعات الثانية ، فلم يرد عليها ، فلما كانت الثالثة قال : يا أم سلمة ، لا تؤذيني في عائشة ، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة غيرها . . " متفق على صحته ، فقد أخرجه البخاري في فضائل الصحابة ، باب فضل عائشة ، وفي الهبة ، باب من أهدى إلى أصحابه ، وتحرى بعض نسائه دون بعض ، من طريق حماد بن زيد ، عن هشام بن عروة عن أبيه ، عن عائشة ، وأخرجه مسلم مختصرا في فضائل الصحابة ، من طريق عبدة ، عن هشام ، عن أبيه عن عائشة ، وأخرجه مطولا من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن صالح ، عن ابن شهاب ، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن عائشة ، وفيه أن التي أرسلتها فاطمة ، وليست أم سلمة ) . وهذا الجواب منه صلى الله عليه وسلم دال على أن فضل عائشة على سائر أمهات المؤمنين بأمر إلهي وراء حبه لها ، وأن ذلك الأمر من أسباب حبه لها صلى الله عليه وسلم . إسماعيل بن جعفر : أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن ، سمع أنسا يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام . " متفق عليه من طرق عن أبي طواله ، فقد أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، باب فضل عائشة رضي الله عنها ، وفي الأطعمة ، باب الثريد ، وباب ذكر الطعام ، ومسلم في فضائل الصحابة ، باب فضل عائشة رضي الله عنها ، وأبو طوالة : هو عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري ، راويه عن أنس رضي الله عنه . شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن مرة ، عن أبي مرسي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران ، وآسية امرأة عمران ، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام . " أخرجه البخاري ومسلم في فضائل الصحابة ، باب فضل خديجة رضي الله عنها " . شعيب ، عن الزهري : حدثني أبو سلمة ، أن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائش ، هذا جبريل وهو يقرأ عليك السلام ، قالت : وعليه السلام ورحمة الله ، ترى ما لا ترى يا رسول الله . زكريا بن أبي زائدة ، عن عامر ، عن أبي سلمة ، أن سلمة ، أن عائشة رضي الله عنها حدثته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : إن جبريل يقرئك السلام ، قالت : وعليه السلام ورحمة الله . " أخرجهما البخاري في فضل عائشة ، وفي بدء الخلق ، باب ذكر الملائكة ، وفي الأدب ، باب من دعا صاحبه فنقص من اسمه حرفا ، وفي الاستئذان ، باب تسليم الرجال على النساء والنساء على الرجال ، وباب إذا قال : فلان يقرئك السلام ، ومسلم في فضائل الصحابة ، باب فضل عائشة رضي الله عنها ، وأبو داود ، والترمذي ، وأخرج النسائي من طريق معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة نحو الأول ، في عشرة النساء ، باب حب الرجل بعض نسائه أكثر من بعض روى هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم متوفى خديجة ، وأنا بنت ست ، وأدخلت عليه وأنا ابنة تسع ، جاءني نسوة وأنا ألعب على أرجوحة وأنا مجممة ، فهيأنني ، وصنعني ، ثم أتين بي إليه صلى الله عليه وسلم . " أخرجه أبو داود في الأدب ، باب الأرجوحة ، وإسناده صحيح . والمجممة : ذات جمة ، ويقال للشعر إذا سقط عن المنكبين ، جمة ، وإذا كان الشعر إلى شحمة الأذنين : وفرة . قال عروة : فمكثت عنده تسع سنين ، وأخرج البخاري من قول عروة : أن خديجة رضي الله عنها توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين ، فلبث صلى الله عليه وسلم سنتين أو قريبا من ذلك ، ونكح عائشة وهي بنت ست سنين . " أخرجه البخاري في مناقب الأنصار ، باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة ، وقدومها المدينة وبنائه بها ، وتمامه : ثم بنى بها وهي بنت تسع سنين . وفي خبر عروة إشكال أجاب عنه الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري ) " . هشام عن أبيه ، عن عائشة ، أنها قالت : كنت ألعب بالبنات يعني اللعب - فيجئ صواحبي فينقمعن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخلن علي ، وكان يسربهن إلي فيلعبن معي . وفي لفظ : فكن جوار يأتين يلعبن معي بها ، فإذا رأين رسول الله صلى الله عليه وسلم تقمعن ، فكان يسربهن إلي . " أخرجه البخاري في الأدب ، باب الانبساط إلى الناس ، ومسلم في فضائل الصحابة ، باب فضل عائشة ، واستدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات ، واللعب من أجل لعب البنات بهن ، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور ، وبه جزم القاضي عياض ، ونقله عنه الجمهور ، وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات . وعن عائشة قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألعب بالبنات " أي اللعب " ، فقال : ما هذا يا عائشة ؟ قلت : خيل سليمان ولها أجنحة ، فضحك . " أخرجه بهذا اللفظ ابن سعد في ( الطبقات ) من طريق الواقدي ، وأخرجه أبو داود في ( السنن ) في الأدب ، باب اللعب بالبنات ، بأطول من هذا ، والنسائي في ( عشرة النساء ) ، عن عائشة قالت : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر ، وفي سهواتها ستر ، فهبت ريح ، فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة ، فقال صلى الله عليه وسلم : ما هذا يا عائشة ؟ قالت : بناتي ، ورأى بينهن فرسا لها جناحان من رقاع فقال : ما هذا الذي أرى وسطهن ؟ قالت : فرس ، قال : وما هذا الذي عليه ؟ قالت : جناحان . قال : فرس له جناحان ! قالت : أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة ؟ فضحك حتى بدت نواجذه . وإسناده صحيح " . الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم على باب حجرتي ، والحبشة يلعبون بالحراب في المسجد ، وإنه ليسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم ، ثم يقف من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف ، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو . وفي لفظ معمر ، عن الزهري : فما زلت أنظر حتى كنت أنا أنصرف ، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن ، التي تسمع اللهو . ولفظ الأوزاعي عن الزهري في هذا الحديث قالت : قدم وفد الحبشة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقاموا يلعبون في المسجد ، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه ، وأنا أنظر إليهم حتى أكون أنا التي أسأم . " أخرجه البخاري في المساجد ، باب أصحاب الحراب في المسجد ، وفي العيدين ، باب الحراب والدرق يوم العيد ، وفي النكاح ، باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة ، ومسلم ، وأحمد والنسائي في العيدين ، باب اللعب في المسجد يوم العيد ، ونظر النساء لذلك ، والحميدي في ( مسنده ) ، والطحاوي في ( مشكل الآثار ) ، وأخرج النسائي في ( عشرة النساء ) من حديث يونس بن عبد الأعلى ، بسنده عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : دخل الحبش يلعبون ، قال لي : يا حميراء ، أتحبين أن تنظري إليهم ؟ فقلت : نعم ، فقام بالباب وجئته ، فوضعت ذقني على عاتقه ، فأسندت وجهي إلى خده ، قالت : ومن قولهم يومئذ : أبا القاسم طيبا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حسبك قلت : يا رسول الله لا تعجل ، فقام لي ثم قال : حسبك ، فقلت : لا تعجل يا رسول الله ، قالت : وما بي حب النظر إليهم ، ولكني أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي ، ومكاني منه . إسناده صحيح كما قال الحافظ في ( الفتح ) . يحيى بن يمان ، عن الثوري ، عن إسماعيل بن أمية ، عن عبد الله بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال ، وأعرس بي في شوال ، فأي نسائه كان أحظى عنده مني . " وكانت العرب تستحب لنسائها أن يدخلن على أزواجهن في شوال ، أخرجه مسلم في النكاح ، باب استحباب التزوج والتزويج في شوال ، واستحباب الدخول فيه ، والدارمي في النكاح ، باب بناء الرجل بأهله في شوال ، وأحمد في ( المسند ) ، وابن سعد في ( الطبقات ) ، وابن ماجة في النكاح ، باب متى يستحب البناء بالنساء ، والنسائي في النكاح ، باب التزويج في شوال ، من طرق عن سفيان بن عيينة ، وفيه عندهم : وكانت عائشة رضي الله عنها تستحب أن تدخل نساءها في شوال . وقالت عائشة رضي الله عنها ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة من كثرة ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها . " أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها ، ومسلم في فضائل الصحابة ، باب فضل خديجة رضي الله عنها . قال الحافظ الذهبي في ( سير الأعلام ) : وهذا من أعجب شئ ! أن تغار رضي الله عنها من امرأة عجوز توفيت قبل تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة بمديدة ، ثم يحميها الله تعالى من الغيرة من عدة نسوة يشاركنها في النبي صلى الله عليه وسلم ، فهذا من ألطاف الله بها وبالنبي صلى الله عليه وسلم ، لئلا يتكدر عيشهما ، ولعله إنما خفف أمر الغيرة عليها حب النبي صلى الله عليه وسلم لها ، وميله إليها . فرضي الله تعالى عنها وأرضاها . معمر عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة : دخلت امرأة سوداء على النبي صلى الله عليه وسلم . فأقبل عليها ، قالت : فقلت يا رسول الله ! أقبلت على هذه السوداء هذا الاقبال ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : إنها كانت تدخل على خديجة ، وإن حسن العهد من الإيمان " رجاله ثقات ، وأخرج الحاكم نحوه في ( المستدرك ) من طريق صالح بن رستم ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة قالت : جاءت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو عندي ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أنت ؟ قالت : أنا جثامة المزينية ، فقال : بل أنت حسانة المزينية ، كيف أنتم كيف حالكم ؟ كيف كنتم بعدنا ؟ قالت : بخير ، بأبي أنت وأمي يا رسول الله . فلما خرجت قلت : يا رسول الله ! تقبل على هذه العجوز هذا الاقبال ؟ قال : إنها كانت تأتينا زمن خديجة ، وإن حسن العهد من الإيمان . صححه الحاكم على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي في ( التلخيص ) . وأخرج البخاري في النكاح ، باب غيرة النساء ووجدهن ، ومسلم في فضائل الصحابة ، باب فضل عائشة . . لأبي أسامة ، عن هشام بلفظ : إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى ، قالت : وكيف يا رسول الله ؟ قال : إذا كنت عني راضية ، قلت : لا ورب محمد ، وإذا كنت علي غضبى ، قلت : لا ورب إبراهيم ، قلت أجل والله ، ما أهجر إلا اسمك . هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : سابقني النبي صلى الله عليه وسلم ، فسبقته ما شاء ، حتى إذا رهقني اللحم ، سابقني ، فسبقني ، فقال : يا عائشة ، هذه بتلك . " إسناده صحيح ، وهو في المسند ، وأخرجه الحميدي في ( مسنده ) ، وأبو داود في الجهاد : باب السبق على الرجل ، وابن ماجة والنسائي في عشرة النساء " . قال الإمام أحمد في ( المسند ) : حدثنا يحيى القطان ، عن إسماعيل : حدثنا قيس ، قال : لما أقبلت عائشة ، فلما بلغت مياه بني عامر ليلا ، نبحت الكلاب ، فقالت : أي ماء هذا ؟ قالوا : ماء الحوأب ، قالت : ما أظنني إلا أنني راجعة . قال بعض من كان معها : بل تقدمين فيراك المسلمون ، فيصلح الله ذات بينهم ، قالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم : كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب . " إسناده صحيح كما قال الذهبي وصححه ابن حبان ، والحاكم ، وأخرجه أحمد في ( المسند ) ، وقال الحافظ ابن كثير في ( البداية ) . وهذا إسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجوه ، بعد أن ذكره من طريق الإمام أحمد . والحوأب : من مياه العرب على طريق البصرة ، قاله أبو الفتح نصر بن عبد الرحمن الإسكندري ، فيما نقله عنه ياقوت الحموي في ( معجم البلدان ) ، وقال أبو عبيد البكري في ( معجم ما استعجم ) : ماء قريب من البصرة على طريق مكة إليها ، سمي بالحوأب بنت كلب بن وبرة القضاعية " . قال عطاء بن أبي رياح : كانت عائشة رضي الله عنها أفقه الناس ، وأحسن الناس رأيا في العامة ، وقال الزهري : لو جمع علم عائشة رضي الله عنها إلى علم جميع النساء ، لكان علم عائشة رضي الله عنها أفضل . " ذكره الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) ونسبة إلى الطبراني . وقال : رجاله ثقات ، وذكره أبو عبد الله الحاكم في ( المستدرك ) . عروة بن الزبير : أن معاوية بعث مرة إلى عائشة رضي الله عنها بمائة ألف درهم فوالله ما أمست حتى فرقتها ، فقالت لها مولاتها : لو اشتريت لنا منها بدرهم لحما ؟ فقالت : ألا قلت لي . " أخرجه أبو نعيم في ( الحيلة ) والحاكم في ( المستدرك ) " . يحيى بن أبي زائدة - عن حجاج ، عن عطاء : أن معاوية بعث إلى عائشة رضي الله عنها بقلادة بمائة ألف ، فقسمتها بين أمهات المؤمنين . الأعمش ، عن تميم بن سلمة ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها : أنها تصدقت بسبعين ألفا ، وإنها لترقع جانب درعها . أبو معاوية ، عن هشام بن عروة ، عن ابن المنكدر ، عن أم ذرة ، قالت : بعث ابن الزبير إلى عائشة رضي الله عنها بمال في غرارتين ، يكون مائة ألف ، فدعت بطبق ، فجعلت تقسم في الناس ، فلما أمست ، قالت : هاتي يا جارية فطوري ، فقالت أم ذرة : يا أم المؤمنين ، أما استطعت أن تشتري لنا لحما بدرهم ؟ قالت : لا تعنفيني ، لو أذكرتيني لفعلت . " أخرجه ابن سعد في ( الطبقات ) ، وأبو نعيم في ( الحلية ) ، ورجاله ثقات " . ابن علية ، عن أيوب ، عن ابن مليكة ، قال : قالت عائشة رضي الله عنها توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي ، وفي يومي ، وليلتي وبين تحري وسحري ، ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر ، ومعه سواك رطب ، فنظر إليه حتى ظننت أنه يريده ، فأخذته ، فمضغته ، ونفضته ثم دفعته إليه ، فاستن به كأحسن ما رأيته مستنا قط ، ثم ذهب يرفعه إلي ، فسقطت يده ، فأخذت أدعو له بدعاء كان يدعو به له جبريل ، وكان هو يدعو به إذا مرض ، فلم يدع به في مرضه ذاك ، فرفع بصره إلى السماء ، وقال : الرفيق الأعلى ، وفاضت نفسه صلى الله عليه وسلم ، فالحمد لله الذي جمع بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا . " أخرجه أحمد في ( المسند ) ، وصححه الحاكم في ( المستدرك ) ، ووافقه الذهبي في ( التلخيص ) ، والسحر : الرئة ، والنحر : أعلى الصدر ، واستن : استاك " . العوام بن حوشب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( إن الذين يرمون المحصنات ) " النور : 3 " ، قال : نزلت في عائشة رضي الله عنها خاصة ، أخرجه الحاكم في ( المستدرك ) ، وصححه ، ووافقه الذهبي في ( التلخيص ) ، وأورده السيوطي في ( الدر المنثور ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم وابن مردويه . وحديث الإفك طويل ومشهور ، ولذلك أمسكنا عن ذكره . إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس ، قال : قالت عائشة - وكانت تحدث نفسها أن تدفن في بيتها - فقالت : إني أحدثت بعد رسول الله حدثا ، ادفنوني مع أزواجه . فدفنت بالبقيع رضي الله عنها " ابن سعد في ( الطبقات ) ، وصححه الحاكم في ( المستدرك ) ، ووافقه الذهبي في ( التلخيص ) . قال الذهبي : تعني بالحدث مسيرها يوم الجمل ، فإنها ندمت ندامة كلية ، وثابت من ذلك ، على أنها ما فعلت ذلك إلا متأولة ، قاصدة للخير ، كما اجتهد طلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام ، وجماعة من الكبار ، رضي الله عن الجميع ( سير الأعلام ) . وقد قيل إنها مدفونة بغربي جامع دمشق ، وهذا غلط فاحش ، لم تقدم رضي الله عنها إلى دمشق أصلا ، وإنما هي مدفونة بالبقيع ، ومدة عمرها : ثلاث وستون سنة وأشهر . ومن عالي حديثها : قال الحافظ الذهبي : قرأت على ابن عساكر ، عن أبي روح : أخبرنا تميم ، حدثنا أبو سعد ، أخبرنا ابن حمدان ، أخبرنا أبو يعلى ، حدثنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم ، ، عن علي بن هاشم ، عم هشام بن عروة ، عن بكر بن وائل ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة قط ، ولا ضرب خادما له قط ، ولا ضرب بيده شيئا إلا أن يجاهد في سبيل الله ، وما نيل منه شئ فانتقمه من صاحبه ، إلا أن تنتهك محارم الله ، فينتقم . " إسناده صحيح ، وأخرجه مسلم في الفضائل ، باب مباعدته صلى الله عليه وسلم للآثام ، وأحمد في ( المسند ) من طرق ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها ، وأخرج مالك والبخاري في صفة النبي ، ومسلم من طريق الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، أنها قالت : ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما ، كان أبعد الناس منه ، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله عز وجل " . * - لها ترجمة في : ( مسند أحمد ) : 7 / 46 وما بعدها ، ( طبقات ابن سعد ) : 8 / 58 - 81 ، ( طبقات خليفة ) : 333 ، ( تاريخ خليفة ) 225 ، ( المعارف ) : 134 ، 176 ، 208 ، 550 ، ( المستدرك ) : 4 / 15 - 17 ، ( حلية الأولياء ) : 2 / 43 ، ( الإستيعاب ) : 4 / 1881 ، ترجمة رقم ( 4029 ) ، ( جامع الأصول : 9 / 132 ، ( تهذيب التهذيب ) : 12 / 461 ، ترجمة رقم ( 2840 ) ، ( الإصابة ) : 8 / 16 ، ترجمة رقم ( 11457 ) ، ( خلاصة تذهيب الكمال ) : 3 / 387 ، ترجمة رقم ( 106 ) ، ( كنز العمال ) : 13 / 693 ، ( سير أعلام النبلاء ) : 2 / 135 ، ترجمة رقم ( 19 ) ، ( شذرات الذهب ) : 1 / 9 ، 61 - 63 ، ( المواهب اللدنية ) : 2 / 81 - 83 ، ( صفة الصفوة ) : 2 / 9 - 27 .